أحمد بن محمد مسكويه الرازي
188
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
الانسان إليها بمعرفته وتمييزه احتاج فيها إلى صبر ورياضة ، حتى إذا تبصر فيها وتدرب بها انكشف له حسنها وبهاؤها ، وصار بالضد مما كان في الحس . ومن هنا تبين أن الانسان في ابتداء كونه محتاج إلى سياسة الوالدين ، ثم إلى الشريعة الإلهية والدين القيم حتى تهديه وتقومه إلى الحكم البالغة ، ليتولّى تدبيره إلى آخر عمره . وقد تبين مع ذلك تعلق السعادة « بالجود » ، وذلك أنا قد بينا انها لذة فاعلة ، « ولذة الفاعل » أبدا تكون العطاء ، و « لذة المنفعل » أبدا تكون في الأخذ ، وليس تظهر لذة السعيد الا بابراز فضائله واظهار حكمته ووضعها كفاءته في مواضعها . « 1 » وكذلك البناء الحاذق ، والصانع اللطيف ، والموسيقاني المحسن ، وبالجملة كل صانع حاذق فاضل في صناعته ينسرّ باظهار فضائله واذاعتها بين أهلها ومستحقيها ، وهذا هو معنى « الجود » ، الا أنّ الجود بأعلى الأشياء وأكرمها أفضل وأشرف من الجود بأدونها وأخسها . وقد عرض لهذا الجود الآخر مع شرفه وعلوّ مرتبته ضد ما عرض لذلك الجود الآخر مع نزارته وقلته ، وذلك ان صاحب الأموال والمقتنيات الخارجة كلها ينتقص ماله بالانفاق ، وينثلم بالبذل وتفنى ذخائره . وأما صاحب السعادة التامة فان أمواله لا تنقص بالانفاق ، بل تزيد ولا تفنى ذخائره بالتبذير بل تنمو ، وتلك معرضة للآفات الكثيرة من الأعداء واللصوص وسائر المتسلطين ، وهذه محروسة من كل آفة لا سبيل للأشرار والأعداء إليها بوجه ولا سبب . « 2 »
--> ( 1 ) . كما يقول الشاعر المتنبّي : الجود بالمال جود فيه مكرمة * والجود بالنفس أقصى غاية الجود ( 2 ) . في الحقيقة الانسان هو الذي يحرس المال ، ولكن العلم والمعرفة هي التي تحرس الانسان . وذاك يزول ، وهذا ينمو بالعطاء .